مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. محمد عبد المقصود.. رحل صاحب الحلم وبقيت الحكاية 


لم يكن الدكتور محمد عبد المقصود بالنسبة لي مجرد عالم آثار كبير، أوالأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، لكنه كان صديقًا جمعنا حلم واحد، وهو أن تستعيد الإسماعيلية مكانتها على خريطة السياحة، وأن يعرف الناس أن تحت أرضها تاريخًا لا يقل قيمة عن أي موقع أثري في العالم.

كل لقاء بيننا كان يبدأ بالإسماعيلية وينتهي بها. كان يتحدث عنها بحب شديد، ويرى فيها متحفًا مفتوحًا ينتظر فقط من يكشف أسراره ويحكي حكايته. وكان يؤمن أن المحافظة تملك كنوزًا أثرية قادرة على تغيير نظرة العالم إليها إذا أحسنَّا تقديمها.

اتفقنا على إعداد ملف صحفي كبير عن أهم الاكتشافات الأثرية في الإسماعيلية، نستعرض فيه المواقع التي أفنى سنوات عمره في الكشف عنها، ونقدم للناس وجهًا آخر لمحافظة تستحق أكثر مما نراه اليوم. كان يحمل الفكرة والعلم، وكنت أحمل القلم، على أمل أن يرى هذا العمل النور قريبًا.

لكن القدر كان له رأي آخر.

شعر بألم مفاجئ، ودخل المجمع الطبي بالإسماعيلية، ثم انتقل إلى المركز الطبي العالمي، حتى استرد الله وديعته، ورحل قبل أن يكتمل الحلم، وقبل أن يرى موسوعته عن «آثار سيناء.. 150 عامًا من التنقيب الأثري في شبه جزيرة سيناء»  مطبوعة، وهي الموسوعة التي وضع فيها خلاصة سنوات طويلة من البحث والعلم والعمل المخلص.

أكثر ما كان يميز محمد عبد المقصود أنه لم يكن يتحدث عن الآثار باعتبارها أحجارًا صامتة، بل كان يتحدث عنها وكأنها أرواح تحكي تاريخ مصر. كان عاشقًا لسيناء، ومدافعًا عن آثارها، ومؤمنًا بأن حماية التراث مسؤولية وطنية قبل أن تكون وظيفة.

ورغم مكانته العلمية الكبيرة، ظل إنسانًا بسيطًا، متواضعًا، قريبًا من الجميع، لا يتأخر عن تقديم معلومة أومساعدة، ولا يبخل بعلمه على أحد. لذلك لم يكن حب الناس له بسبب مناصبه، بل بسبب أخلاقه الرفيعة قبل أي شيء.

وأنا أودع صديقًا عزيزًا، أتمنى أن ترد الإسماعيلية الجميل إلى واحد من أوفى أبنائها، بإطلاق اسمه على إحدى قاعات متحف الإسماعيلية، أو على ميدان يليق بتاريخ رجل كرَّس حياته للكشف عن تاريخ هذه الأرض والدفاع عنه.

هي الدنيا كدة ياصاحبي .. كثيرًا ما نؤجل كلمات الشكر، ونؤخر التكريم حتى يرحل أصحابه، ثم نقف نعدد إنجازاتهم، بينما كان الأجمل أن يسمعوا منا هذه الكلمات وهم بيننا.

رحم الله الدكتور محمد عبد المقصود، العالم الذي عاش مخلصًا لوطنه، والصديق الذي ترك في قلوب محبيه أثرًا سيبقى، كما بقيت اكتشافاته شاهدًا على رحلة عمر لن تتكرر.

وداعًا يا صديقي... رحلت، لكن الحلم الذي عشنا نتحدث عنه سيبقى، وستظل حكايتك تُروى كلما كشف التاريخ عن سر جديد من أسرار هذه الأرض.